محمد راغب الطباخ الحلبي

481

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

وقلما يخوض بانتقاده إلا مع الخواص الذين يعرفون الحقائق ، فكانت عداوتهما عداوة العقلاء . خسر المترجم بتلك المحاكمة وبإدارة شركة انحصار الدخان للمرة الثانية مبلغا جسيما ، لأن الحكومة مكلفة بحفظ أماكن الشركة ، فلما حدثت فتنة الأرمن امتنع الوالي عن إرسال العساكر لمنع نهب الأرمن مال الشركة . خسر بعدم مداراة الحكام غير ذلك من المزارع والأراضي . ( منها ) مزرعة جميل باشا الوالي اشتراها منه المترجم ، فاعتدى عليها زعماء التركمان بإغراء خفي حتى أخذوها . ( ومنها ) مزرعة كانت مستنقعات تابعة للأراضي الأميرية ، فألف لها شركة وأخذها من الحكومة وجففها ، فأغرى المغرون بعض عشائر الأكراد بالتعدي على حصته خاصة ، فحاكمهم فحكم لهم عليه بالمساعدة الخفية . وفي إثر ذلك سافر مهاجرا إلى مصر . سياسته ورأيه في الإصلاح : لم يكن المترجم في اشتغاله بخدمة بيته وبلده وحكومته غافلا عن شؤون المسلمين العامة ، فقد كان يقرأ الجرائد التركية والمصرية حتى الممنوعة التي كانت تدخل إلى حلب كغيرها بوسائط خفية . ولما هاجر إلى مصر كان أول أثر له فيها طبع سجل جمعية أم القرى ، وكان يقول إن لهذه الجمعية أصلا وإنه هو توسع في السجل ونقحه ست مرات آخرها عند طبعه منذ سنتين ونيف ، أعني عقب قدومه إلى مصر . وقد قال لنا مرة : الإنسان يتجرأ أن يقول ويكتب في بلاد الحرية ما لا يتجرأ عليه في بلاد الاستبداد ، بل إن بلاد الحرية تولّد في الذهن من الأفكار والآراء ما لا يتولد في غيرها . ومن يقرأ الكتاب يظن أن صاحبه صرف معظم عمره في البحث عن أحوال المسلمين وتاريخهم وعقائدهم وعلومهم وآدابهم وتقاليدهم وعاداتهم ، ومنه يعلم رأي المترجم في الإصلاح . وقد كنا معه على وفاق في أكثر مسائل الإصلاح ، حتى إن صاحب الدولة مختار باشا الغازي اتهمنا بتأليف الكتاب عندما اطلع عليه . وربما نشير إلى المسائل التي خالفنا الفقيد فيها في هامش الكتاب عند طبعه ، وأهمها الفصل بين السلطتين الدينية والسياسية . أما آراؤه ومعارفه السياسية فحسبنا منها كتاب « طبائع الاستبداد » الذي كاد يكون